الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

51

مختصر الامثل

النوع الأوّل : هم الذين يقعون في قبضة العدو الغاشم ويتحملون أذاه وتعذيبه ، ولكنّهم لا يصبرون تحت ضغط ما يلاقوه من أعداء الإسلام ، فيعلنون براءتهم من الإسلام وولاءهم للكفر ، على أنّ ما يعلنوه لا يتعدى حركة اللسان ، وأمّا قلوبهم فتبقى ممتلئة بالإيمان . فهذا النوع يكون مشمولًا بالعفو الإلهي بلا ريب ، بل لم يصدر منهم ذنب ، لأنّهم قد مارسوا التقية التي أحلّها الإسلام لحفظ النفس وحفظ الطاقات للاستفادة منها في طريق خدمة دين اللَّه عزّ وجل . النوع الثاني : هم الذين يفتحون للكفر أبواب قلوبهم حقيقةً ، ويغيّرون مسيرتهم ويتخلّون عن إيمانهم ، فهؤلاء يشملهم غضب اللَّه عزّ وجل وعذابه العظيم . وتتطرق الآية التالية إلى أسباب ارتداد هؤلاء ، فتقول : « ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَوةَ الدُّنْيَا عَلَى الْأَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَايَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ » الذين يصرّون على كفرهم وعنادهم . وخلاصة المقال : حين أسلم هؤلاء تضررت مصالحهم المادية وتعرضت للخطر المؤقت ، فندموا على إسلامهم لشدة حبّهم لدنياهم ، وعادوا خاسئين إلى كفرهم . وبديهي أنّ من لا يرغب في الإيمان ولا يسمح له بالدخول إلى أعماق نفسه ، لا تشمله الهداية الإلهية . وتأتي الآية الأخرى لتبيّن سبب عدم هدايتهم ، فتقول : « أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ » بحيث إنّهم حُرموا من نعمة الرؤية والسمع وإدراك الحقائق : « وَأُولئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ » . إنّ ارتكاب الذنوب وفعل القبائح يترك أثره السلبي على إدراك الإنسان للحقائق ، وتغلق أبواب روحه من تقبّل أيّة حقيقة . ثم تعرض الآية التالية عاقبة أمرهم ، فتقول : « لَاجَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الْأَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ » . وهل هناك من هو أتعس حالًا من هذا الإنسان الذي خسر جميع طاقاته وإمكاناته لنيل السعادة الدائمة باتباعه هوى النفس . وبعد ذكر الفئتين السابقتين ، أي الذين يتلفظون بكلمات الكفر وقلوبهم ملأى بالإيمان ، والذين ينقلبون إلى الكفر مرّة أخرى بكامل اختيارهم ورغبتهم ، فبعد ذلك تتطرق الآية التالية إلى فئة ثالثة وهم البسطاء المخدوعون في دينهم ، فتقول : « ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ » . فالآية دليل واضح على قبول توبة المرتد .